.

كان عدو التحذلق والتظاهر بالعبقرية. عندما شاهد فيلم (الجلد) للإيطالية ليليانا كافانى، قرأ فى مقدمته كلمات للمخرجة تقول: "الجلد خارطة جغرافية للعالم، سواء كان جلد إنسان أم جلد كلب" قال بطريقة تلقائية: "أقسم أننى لم أفهم حرفاً من هذه العبارة، فهى ضخمة جداً وغامضة جداً بحيث لابد أن تكون عظيمة وعميقة، وبحيث صار من لايفهمها حماراً. وكثير من الأفلام يلجأ لهذه الحيلة كى يبدو عميقاً بينما أعظم الأشياء كان دائماً أبسطها"ـ
فى شبابه كان متمرداً عصبياً أو كما يصف نفسه (ثائر الشعر والأفكار) ولم يكن يتنازل أو يتساهل. وكان أستاذه العظيم أحمد كامل مرسى يقول له تلك العبارة التى كان السلامونى يعشقها: طظ فى حضرتك. مع الوقت ازداد تسامحاً وقبولاً للآخرين. مثلاً بدأ يدرك أن حسن الإمام مخرج متقدم جداً تقنياً برغم أنه أكثر ناقد هاجمه فى حياته. لكنه ظل يمقت الادعاء والتصنع.. "آخر فيلم لجان لوك جودار تشعر بأن الرجل صنعه لنفسه وأصدقائه من العباقرة فقط وجودار يقول فى المؤتمر الصحفى: ليست لدى مخيلة.. لقد تخيل كارتر والخمينى كثيراً، بينما فللينى وروسللينى نظرا للأشياء الحبلى بالمعانى. هذا كلام كبير جداً بس أنا مش فاهمه"ـ
سامى السلامونى كان طفلاً مندهشاً يعشق السينما بجنون، ولا يفهم قواعد تلك اللعبة المسماة بالحياة ولم يبرع فيها قط. كتب كثيراً جداً لكنه مع الوقت بدأ يعتقد أن الكتابة لاتغير شيئاً وأنه أصغر من أن يوجد السينما التى يحلم بها. لعل السبب الأهم أن هذا صاحب أعوام الانفتاح الأولى، وقد رصد بحساسية تغيرات المجتمع المصرى العجيبة.. رأى الجمهور الذى بدأ يسيطر على السينما فى ذلك الوقت، ففشلت أفلام عظيمة مثل (روكى) و (جوليا) و(امرأة غير متزوجة)، وكتب يقول
ـ"المأساة أن المشاهد المصرى لم تعد تعنيه أى جوائز فى العالم مالم تحقق له الأفلام مواصفاته هو الخاصة فى (السلطنة) .. مسألة مثل التوظيف الدرامى للإضاءة التى نثرثر بها نحن النقاد، تبدو مضحكة جداً بالنسبة لجمهور اعتاد نور الكباريه الساطع".. فى ذلك الوقت قتل بلطجى عجوز الشاب (عمرو عز العرب) حفيد جمال عبد الناصر فى مشاجرة بسبب خروج السيارة من الجراج.. المثير هو أن العجوز ـ وهو رجل أعمال كذلك ـ كان يحمل سكيناً فى سيارته أغمدها فى بطن الشاب. رأى السلامونى فى هذا الحادث ما هو أكبر.. رأى عصراً يذبح عصراً آخر. لقد صار هؤلاء فى كل مكان "لهم فتحة صدر الطرزانات، ولهم نفس الملامح ويستمعون لنفس المطرب وفى عيونهم صفاقة من شبع بعد جوع.."ـ
هكذا ومثل كل هؤلاء الذين يحملون قلب طفل، تحولت الإحباطات والدهشة إلى جلطات تسد الشرايين التاجية، وكان قلبه هو الذى قضى عليه. هؤلاء الأطفال الكبار لا يموتون إلا عن طريق العضو الأكثر حساسية فى أجسادهم: القلب
كان عدو التحذلق والتظاهر بالعبقرية. عندما شاهد فيلم (الجلد) للإيطالية ليليانا كافانى، قرأ فى مقدمته كلمات للمخرجة تقول: "الجلد خارطة جغرافية للعالم، سواء كان جلد إنسان أم جلد كلب" قال بطريقة تلقائية: "أقسم أننى لم أفهم حرفاً من هذه العبارة، فهى ضخمة جداً وغامضة جداً بحيث لابد أن تكون عظيمة وعميقة، وبحيث صار من لايفهمها حماراً. وكثير من الأفلام يلجأ لهذه الحيلة كى يبدو عميقاً بينما أعظم الأشياء كان دائماً أبسطها"ـ
فى شبابه كان متمرداً عصبياً أو كما يصف نفسه (ثائر الشعر والأفكار) ولم يكن يتنازل أو يتساهل. وكان أستاذه العظيم أحمد كامل مرسى يقول له تلك العبارة التى كان السلامونى يعشقها: طظ فى حضرتك. مع الوقت ازداد تسامحاً وقبولاً للآخرين. مثلاً بدأ يدرك أن حسن الإمام مخرج متقدم جداً تقنياً برغم أنه أكثر ناقد هاجمه فى حياته. لكنه ظل يمقت الادعاء والتصنع.. "آخر فيلم لجان لوك جودار تشعر بأن الرجل صنعه لنفسه وأصدقائه من العباقرة فقط وجودار يقول فى المؤتمر الصحفى: ليست لدى مخيلة.. لقد تخيل كارتر والخمينى كثيراً، بينما فللينى وروسللينى نظرا للأشياء الحبلى بالمعانى. هذا كلام كبير جداً بس أنا مش فاهمه"ـ
سامى السلامونى كان طفلاً مندهشاً يعشق السينما بجنون، ولا يفهم قواعد تلك اللعبة المسماة بالحياة ولم يبرع فيها قط. كتب كثيراً جداً لكنه مع الوقت بدأ يعتقد أن الكتابة لاتغير شيئاً وأنه أصغر من أن يوجد السينما التى يحلم بها. لعل السبب الأهم أن هذا صاحب أعوام الانفتاح الأولى، وقد رصد بحساسية تغيرات المجتمع المصرى العجيبة.. رأى الجمهور الذى بدأ يسيطر على السينما فى ذلك الوقت، ففشلت أفلام عظيمة مثل (روكى) و (جوليا) و(امرأة غير متزوجة)، وكتب يقول
ـ"المأساة أن المشاهد المصرى لم تعد تعنيه أى جوائز فى العالم مالم تحقق له الأفلام مواصفاته هو الخاصة فى (السلطنة) .. مسألة مثل التوظيف الدرامى للإضاءة التى نثرثر بها نحن النقاد، تبدو مضحكة جداً بالنسبة لجمهور اعتاد نور الكباريه الساطع".. فى ذلك الوقت قتل بلطجى عجوز الشاب (عمرو عز العرب) حفيد جمال عبد الناصر فى مشاجرة بسبب خروج السيارة من الجراج.. المثير هو أن العجوز ـ وهو رجل أعمال كذلك ـ كان يحمل سكيناً فى سيارته أغمدها فى بطن الشاب. رأى السلامونى فى هذا الحادث ما هو أكبر.. رأى عصراً يذبح عصراً آخر. لقد صار هؤلاء فى كل مكان "لهم فتحة صدر الطرزانات، ولهم نفس الملامح ويستمعون لنفس المطرب وفى عيونهم صفاقة من شبع بعد جوع.."ـ
هكذا ومثل كل هؤلاء الذين يحملون قلب طفل، تحولت الإحباطات والدهشة إلى جلطات تسد الشرايين التاجية، وكان قلبه هو الذى قضى عليه. هؤلاء الأطفال الكبار لا يموتون إلا عن طريق العضو الأكثر حساسية فى أجسادهم: القلب